محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
73
الروض المعطار في خبر الأقطار
حرف الباء بابل : بالعراق ، كانت بابل من عظمها واستبشاع أمرها لا تكاد تجعل من عمل الآدميين ، وهي المذكورة في قوله تعالى وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ ( البقرة : 102 ) . ويقال إن الضحّاك أول من بناها ، وسكنها العمالقة « 1 » ، ودخلها إبراهيم عليه السّلام ، ويقال إن بها مولده ، وقبل بل ولد بالسوس من أرض الأهواز ، وقيل بكوثى من أرض السواد ، وينسب إليها السحر والخمر ، ويقال إن بها هاروت وماروت يعذّبان إذ اختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة وانهما معلقان في سرب تحت الأرض كالحبلين ، وأن بعض الناس رآهما كذلك ، فجادله يهودي بها لرغبته في ذلك ، فلما رأى منظرهما رأى منظرا عظيما وأمرا هائلا أفزعه ، هذا سمعته من الفقيه ابن البراء يحكيه عن مجاهد صاحب التفسير ولا أدري أهو الرائي لهما أو غيره فاللّه أعلم . ويقال إن نمرود أسسها وهي مدينة ضاحكة المنظر جميلة المنصب زاهرة البناء واسعة الفناء قد جمعت إلى حسن المنظر من كل جانب رصانة البنيان وبهاء المنصب ، وكانت سهلة بطحاء ديمومة فيحاء مربعة لها في كل تربيع حصنان عظيمان ، وسائر ذلك من سورها لا يكاد من يبلغه خبره يصدق بصفته لكثرة ارتفاعه وفرط اتقانه ، وكان خمسين ذراعا عرضا في ارتفاع مائتي ذراع في دور أربعة وستين ميلا ، مبنيا بالآجر المرصص ، وقد خندق حولها بخندق يجري فيه الفرات وفيه مائة باب من نحاس ، وسعة السور في أعلاه كسعته في أسفله ، وقد بني في أعلاه مساكن للمقاتلة ، والجوابي متصلة في جميع دوره . قالوا : وبابل أقدم بناء بني بعد الطوفان وانّ منها تفرق ولد نوح عليه السّلام ، وان الذي هدمها كسرى الأول ملك الفرس لما تغلب على أرض بابل ، وملوك بابل هم النبط ، وزعموا أنهم أول ملوك العالم وأن الفرس أخذت الملك منهم كما أخذته الروم من اليونانيين وأول ملوكهم نمرود ، وهم الذين شيّدوا البنيان ومدنوا المدن وكوروا الكور وشقّوا الأنهار ورتبوا الجيوش وجعلوا الألوية والأعلام . قالوا : وأوّل صنم يعبد من دون اللّه تعالى ودّ ، وكان ودّ رجلا مسلما من أهل بابل وكان محببا في قومه ، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه ، فلما رأى الشيطان جزعهم عليه تشبّه بصورة إنسان وقال : أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم في أن أصوّر لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه ، قالوا : نعم ، فصنع لهم تمثالا فجعلوا يقبلون عليه ويعظمونه ، حتى اتخذ كل واحد منهم تمثالا في منزله يعظمه ويتبرك به ، ثم تناسلوا على ذلك حتى اتخذوه الها يعبدونه من دون اللّه تعالى . باذغيس : في خراسان ، من بوشنج إلى باذغيس ثلاث مراحل ، افتتحها عبد الرحمن بن سمرة في أيام معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهما . وفي خبر المدائني أن ابن عامر حين صالح أهل مرو وصالح الأحنف أهل بلخ « 2 » وبعث خليد بن عبد اللّه الحنفي إلى هراة وباذغيس فافتتحها ، ولما رجع الأحنف قال لابن عامر « 3 » ما فتح اللّه على أحد ما فتح عليك فارس وكرمان وسجستان وسائر خراسان ، فقال : لا جرم ، لأجعلن شكري للّه تعالى على مثل ذلك أن أخرج معتمرا من موقفي وأحرم بعمرة من نيسابور ، فلما
--> ( 1 ) ص ع : الشايعة . ( 2 ) في الأصل : أهل مرو والتصويب عن الطبري 1 : 2904 . ( 3 ) الطبري : قال الناس لابن عامر .